فخر الدين الرازي
229
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] واللّه أعلم . المسألة الخامسة : الكناية في قوله : عَلَيْها عائدة إلى الأرض ، ولم يسبق لها ذكر ، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض ، فإن الدابة إنما تدب عليها . وكثيرا ما يكنى عن الأرض ، وإن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان ، يعنون على الأرض . ثم قال تعالى : وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ليتوالدوا ، وفي تفسير هذا الأجل قولان : القول الأول : وهو قول عطاء : عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة . والقول الثاني : أن المراد منتهى العمر . وجه القول الأول أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة ، ووجه القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا . النوع الثالث : من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها اللّه تعالى عنهم ، قوله : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ . واعلم أن المراد من قوله : وَيَجْعَلُونَ أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم ، ومعنى قوله : يَجْعَلُونَ يصفون اللّه بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيدا على الناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ [ المائدة : 103 ] . ثم قال تعالى : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى [ إلى قوله وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ] قال الفراء والزجاج : موضع « أن » نصب لأن قوله : أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى بدل من الكذب ، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى . وفي تفسير الْحُسْنى هاهنا قولان : الأول : المراد منه البنون ، يعني أنهم قالوا للّه البنات ولنا البنون . والثاني : أنهم مع قولهم بإثبات البنات للّه تعالى ، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان اللّه تعالى بسبب هذا القول ، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن . الثالث : أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من اللّه تعالى . فإن قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟ قلنا : كلهم ما كانوا منكرين للقيامة ، فقد قيل : إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة ، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون : إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه ، وأيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا : إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا / الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل الْحُسْنى على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة . قال الزجاج : لا رد لقولهم ، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا لفظ « أن » في محل النصب بوقوع الكسب عليه . وقال قطرب ( أن ) في موضع رفع ، والمعنى : وجب أن لهم النار وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله : وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي : مُفْرَطُونَ بكسر الراء ، والباقون : مُفْرَطُونَ بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب ، وقيل : أفرطوا في الافتراء على اللّه تعالى ، وقال أبو علي الفارسي : كأنه من أفرط ، أي صار ذا فرط